أصلان متقاربان: الأمانة والتصديق
يفتح ابن فارس مادة (أ-م-ن) في «مقاييس اللغة» بجملة تختصر المسألة كلها: «الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة التي هي ضدّ الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر التصديق».
أصلان، لا أصل واحد. من الأول جاء الأمن والأمان والأمانة والأمين والمؤتمَن، ومنه اسما آمنة وأمينة. ومن الثاني جاء المؤمن والإيمان بمعناه الذي استقرّ عليه في الشرع. والذي يجمع بينهما هو تعليل ابن فارس نفسه حين أتبع الأصلين بقوله إن المعنيين متدانيان: فالتصديق ضربٌ من سكون القلب أيضًا، إذ تصدّق حين يهدأ قلبك عن الشك كما تأمن حين يهدأ عن الخوف. الضدّ في الحالين شيء واحد اسمه الاضطراب.
وفي المادة نفسها ذكر ابن فارس «آمين»، ورجّح أنها دعاء بمعنى: اللهمّ افعل.
الفعل الذي لا يقع على مفعول
لكل اسم مأخوذ من مصدر خصوصية صرفية، وخصوصية «إيمان» أنه مصدر فعلٍ لا يتعدّى بنفسه. تقول: صدّقتُ الرجل. ولا تقول: آمنتُ الرجل. لا بدّ من حرف يتوسّط بينهما.
والحرف يغيّر المعنى. «آمن به» تصديقٌ وثقة، و«آمن له» استجابةٌ وانقياد، وقد جاءت الصيغة الثانية في قوله تعالى «فآمَنَ لَهُ لُوطٌ» في سورة العنكبوت، وفسّرها المفسّرون بأن لوطًا صدّق إبراهيم واتّبع ملّته، فاللام هنا تحمل معنى الاتّباع لا مجرّد التصديق. فرقٌ دقيق بين حرفين، وهو من الأشياء التي تجعل هذه المادة أغنى مما يوحي به معنى الاسم المتداول.
ويترتّب على كون الاسم مصدرًا أنه لا يصف حاملته. المصدر يسمّي الفعل لا فاعله، فـ«آمنة» و«أمينة» صفتان لصاحبتهما، أما «إيمان» فمعنًى مجرّد وُضع علمًا، وهو في ذلك أشبه بـ«أمل» و«نُهى» و«يقين» منه بأخواته من المادة نفسها.
تحفّظٌ فقهي قلّما يُذكر
تكاد صفحات الأسماء تُجمع على أن «إيمان» اسم محمود لا كلام فيه. الواقع أن فيه خلافًا.
ففي فتوى منشورة على «إسلام ويب» أن الاسم يحمل تزكيةً للمسمّى، قياسًا على تغيير النبي صلى الله عليه وسلم اسم «برّة» إلى «زينب» لأن في الأول تزكية لصاحبته، وتنصح الفتوى بتغييره. ثم تخفّف من ذلك صراحةً: «إذا لم تستطيعي التغيير فلا حرج عليك، لأن النهي محمول على الكراهة»، والكراهة تزول لأدنى حاجة.
ويخالف في ذلك من لا يرى في الاسم تزكيةً أصلًا، وحجّته هي الملاحظة الصرفية السابقة مقلوبةً لصالح الاسم: ما دام مصدرًا مجرّدًا لا وصفًا، فهو لا يخبر عن حال حاملته بشيء. الخلاف قائم، ومن حقّ من يختار الاسم أن يعرف أنه قائم.
من حمله، ومتى
أشهر من عُرف بالاسم خارج العالم العربي ليست عربية. إيمان محمد عبد المجيد، عارضة الأزياء الصومالية، وُلدت في مقديشو في 25 يوليو 1955 باسم «زارا»، ثم سُمّيت إيمان بإلحاح من جدّها، الذي رأى - بحسب سيرتها - أنها ستُفلح باسمٍ مذكّر.
وفي السنة نفسها، وفي الإسكندرية، وُلد رجلٌ يحمل الاسم فعلًا: إيمان البحر درويش (18 مارس 1955)، حفيد سيد درويش، الذي دخل الغناء سنة 1983 بألبوم «الوارثين» المكوَّن من أغاني جدّه.
ومن حاملاته البارزات إيمان مرسال، الشاعرة والأكاديمية المصرية المولودة في الدقهلية في 30 نوفمبر 1966، صاحبة ديوان «ممرّ معتم يصلح لتعلّم الرقص» (1995) والحائزة جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الآداب سنة 2021. وفي الأردن، الأميرة إيمان بنت عبد الله الثاني، المولودة سنة 1996.
خمس صور لاسم واحد بالحروف اللاتينية
تتفرّق كتابة الاسم بالحروف اللاتينية على حسب اللغة الأجنبية السائدة في كل بلد أكثر مما تتفرّق على حسب النطق، وهذا ما يجعل أربع نساء يحملن الاسم نفسه ولا يتعرّفن عليه في جوازات بعضهنّ.
والنطق نفسه يختلف قليلًا: في العربية تقع النبرة على المقطع الثاني (ee-MAAN)، وفي الفرنسية تميل النبرة إلى التسوية بين المقطعين، فتسمع الاسم في مرسيليا غير ما تسمعه في عمّان.
أشهر صور الكتابة
- Iman - المشرق العربي، وهي الصورة الأشيع في الإنجليزية
- Imane - المغرب والجزائر وفرنسا وبلجيكا، وهي الأكثر تداولًا هناك
- Imen أو Imène - تونس
- Eman - مصر، على وفق النطق المحلي المائل إلى الفتح
- Imaan أو Emaan - جنوب آسيا، والألف المزدوجة فيها محاولة لتثبيت المدّ
هل هو اسم بنات؟ الجواب يتغيّر بتغيّر البلد
في الاستعمال العربي الغالب، إيمان اسم مؤنث. خارجه ليس كذلك.
تصنّف ويكيبيديا الإنجليزية الاسم بوصفه مذكّرًا ومؤنّثًا معًا، وتذكر بين حامليه لاعب كرة السلة الأمريكي إيمان شمبرت (مواليد 1990) والرسّام الإيراني إيمان مالكي (1976)، إلى جانب الممثلة الكندية إيمان فيلاني (2002). والاستعمال للذكور مألوف في الفارسية والأذرية وبين بوشناق البوسنة، ولنا في إيمان البحر درويش مثال عربي صريح.
وهذا يجيب عن سؤالٍ عملي يطرحه كثير من الأهل: هل يصلح الاسم خارج العالم العربي؟ يصلح، وهو قصير سهل النطق في معظم اللغات الأوروبية، لكن على من يحمله أن يتوقّع أن يُسأل عن جنسه في استمارةٍ ما.