حركة واحدة تفصل بين شجرة وخُلُق
الكَرَم بفتح الراء نقيض اللؤم. والكَرْم بسكونها شجر العنب. الكتابة واحدة، والجذر واحد: ك-ر-م.
ولسان العرب يمدّ المادة أبعد من الاثنين معًا: الأرض الكريمة هي الجيدة للنبات، والسحاب الكريم هو الذي جاد بمائه، والكَرْم كذلك القلادة تُرى في العنق من ذهب أو لؤلؤ. ويسجّل ابن منظور ملاحظة تستحق التوقف: الكرم يكون في الرجل بنفسه وإن لم يكن له آباء ولا نسب. أي أنه في أصل وضعه صفة مكتسبة، لا شيء يُورَث، وهذا في لغة مجتمع كان يقيس الشرف بالنسب قبل أي شيء آخر.
أما تسمية العنب «كَرْمًا» فلها سبب صريح ذكره الشُّرّاح: كانت العرب تسمّي الشجرة وثمرتها والخمر المتخذة منها بهذا الاسم، لأنها في اعتقادهم تبعث في شاربها السخاء.
وهنا جاء النهي. روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقولنّ أحدكم للعنب: الكَرْم، إنما الكَرْم الرجل المسلم»، والحديث متفق عليه عند البخاري ومسلم، وفي رواية أخرى: «إنما الكَرْم قلب المؤمن». المقصود قطع الصلة بين أشرف وصف عندهم وبين شراب حُرِّم، وإعادة الكلمة إلى صاحبها الأولى.
لماذا يصف القرآن نباتًا بأنه كريم؟
أغلب صفحات الأسماء تختصر المعنى في كلمة: السخيّ. وهذا نصفه.
الراغب الأصفهاني يفصّل في «المفردات» فيقول إن الكرم إذا وُصف الله تعالى به فهو اسم لإحسانه وإنعامه، وإذا وُصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه، «ولا يقال هو كريم حتى يظهر ذلك منه». ثم يضيف القاعدة التي تشرح بقية الاستعمالات: الكرم لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة، وكل شيء شرُف في بابه فإنه يوصف بالكرم.
بهذه القاعدة يستقيم ما قد يبدو غريبًا في القرآن: ﴿فأنبتنا فيها من كل زوج كريم﴾ عن النبات، و﴿وزروع ومقام كريم﴾، و﴿إنه لقرآن كريم﴾، و﴿وقل لهما قولًا كريمًا﴾ في مخاطبة الوالدين. لا جامع بين نبتة وكلام ومكان من جهة العطاء، والجامع بينها أن كل واحد منها أرفع ما في بابه.
فمن يسمّي ابنه كريمًا يضع عليه، من جهة اللغة، معنى النفاسة والرفعة قبل معنى كثرة الإنفاق، وإن كان المعنى الثاني هو الذي استقرّ في الأذهان اليوم. ومن المادة نفسها جاءت أسماء تدور في الفلك ذاته: أكرم، وإكرام، ومكرَّم، وكرامة، وكريمة للإناث.
اسم من أسماء الله، ومع ذلك يُسمّى به البشر
الكريم من أسماء الله الحسنى، وهذا يثير السؤال المعتاد عند التسمية.
العرف الأقدم يميل إلى التعبيد: عبد الكريم. لكن «كريمًا» مفردًا لم يُعامَل معاملة الأسماء المختصة بالله وحده، لسبب داخل النص نفسه: القرآن أطلق الوصف على مخلوقين، فقال ﴿إنه لقول رسول كريم﴾، وحكى عن ملكة سبأ ﴿إني أُلقي إليّ كتاب كريم﴾، ووعد بـ﴿رزق كريم﴾. الوصف إذن مشترك لا مختصّ، والتسمية به جارية في المشرق والمغرب من غير تحفظ يُذكر.
ويبقى أن الآية الأشهر في المادة، ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، تقول ما قاله المعجم بلغة أخرى: الكرم عمل يُكتسب، لا لقب يُورَث.
ثلاثة حملوه، ولا يجمعهم نسب
أشهر «كريم» في العالم لم يولد عربيًا. كريم عبد الجبار وُلد في هارلم بنيويورك سنة 1947 باسم فرديناند لويس ألسندور الابن، واعتنق الإسلام سنة 1968 قادمًا من الكاثوليكية، ولم يُشهر اسمه الجديد إلا سنة 1971 في مؤتمر صحفي بوزارة الخارجية الأمريكية، حيث قُدِّمت ترجمة الاسم إلى الإنجليزية على أنه «النبيل، خادم القدير». وقد فسّر تخلّيه عن اسم العائلة بأنه يعود إلى مالك مزرعة فرنسي في جزر الهند الغربية كان يملك أجداده.
وكريم بنزيمة فرنسي من أصل جزائري من مواليد 1987، نال الكرة الذهبية سنة 2022 بعد موسم سجّل فيه 44 هدفًا في 46 مباراة مع ريال مدريد، وكان أول فرنسي ينالها منذ زين الدين زيدان سنة 1998، وزيدان نفسه هو من سلّمه الجائزة في باريس.
والأمير كريم الحسيني، آغا خان الرابع، وُلد في جنيف سنة 1936 وتولى إمامة الإسماعيلية النزارية سنة 1957 وهو ما يزال طالبًا في هارفارد، وظل الإمام التاسع والأربعين للطائفة حتى وفاته في لشبونة في الرابع من فبراير 2025.
لاعب أمريكي من هارلم، ومهاجم فرنسي من أصل جزائري، وإمام إسماعيلي وُلد في سويسرا. الاسم في الحالات الثلاث سافر مع الدين أكثر مما سافر مع العروبة، وهذه ليست حال أكثر الأسماء العربية.
Karim أم Kareem؟ اختر قبل أول وثيقة
في الاسم مدّة طويلة بعد الراء، وليس في الحروف اللاتينية طريقة واحدة لأدائها، فانقسم الهجاء بحسب اللغة الأوروبية السائدة في كل بلد: المغرب العربي وفرنسا يكتبانه Karim لأن الياء الطويلة تؤدّى بحرف i في الإملاء الفرنسي، بينما يغلب في المشرق والخليج هجاء Kareem لأن الإنجليزية تحتاج إلى ee لتعطي الصوت نفسه.
النتيجة العملية أن الاسم الواحد قد يظهر بهجاءين مختلفين داخل العائلة الواحدة إذا صدرت وثائقها في بلدين. والأحوط تثبيت صورة واحدة في أول مستند رسمي والالتزام بها في ما بعد.
الصور المتداولة
- Karim - الغالبة في فرنسا وشمال أفريقيا
- Kareem - الغالبة في المشرق والخليج وفي الاستعمال الإنجليزي
- Kerim - الصورة التركية، ومنها Abdülkerim
- Karima / كريمة - المؤنث
- Abdul Karim أو Abdelkrim - صيغة التعبيد، وهجاؤها يتبع البلد كذلك
هل ما زال يُعطى للمواليد؟
لا توجد في معظم الدول العربية سجلات موحدة تُنشر سنويًا لأسماء المواليد، فأي ترتيب شعبية تقرأه لاسم عربي داخل بلده تقديرٌ لا إحصاء.
لكن فرنسا تنشر أرقامها منذ سنة 1900، وهي مرآة صالحة هنا لأنها تضم أكبر جالية مغاربية في أوروبا. بلغ الاسم ذروته سنة 1981 حين سُمّي به 1513 مولودًا، ثم أخذ في الانحدار حتى صار يُعطى لأقل من مئتي مولود في السنة، مع مجموع يقارب ثمانية وثلاثين ألفًا منذ مطلع القرن العشرين. والنمط مألوف في أسماء المهاجرين: قمة في جيل، ثم انصراف إلى أسماء أقصر تعمل في اللغتين معًا.
أما في العالم العربي فالانطباع أنه من الأسماء المستقرة التي لا ترتبط بموجة بعينها، وهو انطباع لا تسنده أرقام رسمية منشورة. ولعل سبب هذا الثبات بسيط: المعنى لا يحتاج إلى شرح لأحد.