غلامٌ من الأنصار وخلافٌ على الكنية
يروي جابر بن عبد الله أن رجلًا من الأنصار وُلد له غلام فسمّاه القاسم، فقال له قومه: لن نكنّيك أبا القاسم ولا كرامة، لأن هذه كنية النبي صلى الله عليه وسلم. فمضى الرجل إلى النبي يشكو، فكان الجواب: «أحسنت الأنصار، سمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي». الحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم كليهما. والمهم في القصة أن الاعتراض لم يقع على الاسم نفسه في يوم من الأيام؛ وقع على ما يترتب عليه، إذ يصير أبو الغلام تلقائيًا «أبا القاسم».
واختلف الفقهاء بعد ذلك: هل النهي خاص بزمن النبي، أم باقٍ؟ ومن رأى الأول احتج بروايات في تكنية أهل البيت. الخلاف لم يُحسم، لكن التسمية بقاسم استمرت في كل الأمصار بلا حرج.
ق-س-م: جذرٌ يوزّع ويحلف ويصف الجمال
المادة في لسان العرب واسعة على نحو غير معتاد. القَسْم مصدر قَسَمَ الشيءَ يقسِمه، والقِسْم هو النصيب والحظ، والقَسَم هو اليمين. ثلاثة معانٍ تبدو متباعدة لكنها تعود إلى فكرة واحدة: أن تُفرز حصةً وتُثبتها. حتى اليمين في أصلها إثباتٌ حاسم يفصل بين دعويين.
ثم يفعل الجذر شيئًا لا يتوقعه القارئ: يصف الوجه. يقول ابن منظور إن الرجل يكون قسيمًا ومقسَّمًا إذا كان جميلًا، وأن القَسِمة الحسن، والتفسير المذكور أن كل موضع من وجهه أخذ قِسمًا من الجمال. أي أن العرب تصورت الحسن نفسه شيئًا مقسومًا حصصًا، ومن نال منه في كل ملمح نصيبًا فهو قسيم.
وللقسامة معنيان لا صلة بينهما ظاهرًا: الحسن والوسامة من جهة، ومن جهة أخرى مصطلح فقهي دقيق، وهو الأيمان الخمسون التي يحلفها أولياء القتيل حين لا تكتمل البيّنة.
هل معناه الموزِّع أم حسن الوجه؟
هنا تختلف المصادر فعلًا. أكثر المعاجم وقواميس الأسماء تجعل قاسمًا اسم فاعل من قَسَمَ، فمعناه المُوزِّع الذي يعطي كل ذي حق نصيبه. وبعضها يضيف «الحسن الوجه»، ويردّه إلى فعل آخر هو قَسُمَ بمعنى حَسُنَ.
والأدق أن معنى الجمال في هذه المادة يُحمل عادةً على صيغتي قسيم ومُقسَّم لا على قاسم. فمن سمّى ابنه قاسمًا فالغالب أنه أراد التوزيع والعطاء، ومن أراد الوسامة فله في العربية قسيم. أما ما يشيع في مواقع الأسماء من أن قاسمًا يعني «العادل» فهو توسّع في التفسير: القسمة قد تكون عادلة وقد لا تكون، والعدل ليس في اللفظ نفسه.
النطق قَاسِم، بفتح القاف وكسر السين، ولا تُشدَّد السين. أما قسّام بالتشديد فصيغة مبالغة مستقلة، وهي أشهر في الألقاب والأنساب منها في أسماء المواليد.
الطفل الذي أعطى النبي كنيته
القاسم بن محمد هو أول ولد وُلد للنبي من خديجة بنت خويلد، وكان ذلك قبل البعثة، وبه كان يُكنّى. مات صغيرًا في مكة، وأهل السير على أنه أول من مات من أولاده. فحياة صاحب الاسم كانت قصيرة إلى حد أن التاريخ لا يحفظ عنه شيئًا سوى اسمه وموته المبكر، ومع ذلك ظلّت كنيته المشتقة منه من أشهر ما يُعرف به النبي.
ثم أخذ اللفظ بُعدًا آخر حين قال النبي في حديث في صحيح البخاري: «إنما أنا قاسم والله يعطي». الجملة تضع القاسم في موضعه الصحيح من المعادلة: هو الذي يُجري القسمة، لا الذي يملك ما يُقسَم. وهذا في تقديري أنظف تفسير للاسم من كل عبارات المدح التي تُلصق به.
من حمله وترك أثرًا
أبرزهم القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي (35 - 107 هـ). مات أبوه ولمّا يبلغ الطفل عامه الثاني، فنشأ في بيت عمّته عائشة أم المؤمنين وتفقّه عليها، وعدّه أبو الزناد في فقهاء المدينة السبعة من التابعين. أصابه العمى في آخر عمره، ومات وقد جاوز السبعين.
وفي العصر الحديث، قاسم أمين المصري، صاحب «تحرير المرأة» الصادر سنة 1899 بدعم من محمد عبده وسعد زغلول وأحمد لطفي السيد. أثار الكتاب سجالًا واسعًا، وتُرجم إلى الإنجليزية ونُشر خارج مصر. الاسم إذن لم يبقَ حبيس السياق الديني وحده.
كتابته بالحروف اللاتينية، وشهرٌ تركي يحمل الاسم
المشكلة العملية الوحيدة في هذا الاسم خارج العربية هي القاف. من كتبها Q حافظ على الأصل ودفع الثمن نطقًا، إذ يقرؤها كثير من الأوروبيين والأمريكيين kw. ومن كتبها K حصل على نطق أقرب لكنه أضاع التمييز بين القاف والكاف. لا يوجد خيار سليم تمامًا، والأفضل أن تُثبَّت صيغة واحدة في أول جواز سفر ثم لا تُغيَّر، لأن اختلاف الهجاء بين وثيقتين يسبب متاعب حقيقية في المطارات والسجلات المدرسية.
وطرافة الاسم أن التركية جعلته شهرًا: Kasım هو تشرين الثاني/نوفمبر في التقويم التركي، موروثًا عن التركية العثمانية «قاسم»، عن العربية قاسم. أي أن حامل الاسم في تركيا يشترك في اسمه مع شهر كامل من السنة.
أما الشيوع، فمن الأمانة القول إن أي رقم يُذكر هنا تقدير لا إحصاء. لا توجد في معظم الدول العربية سجلات موحدة معلنة لأسماء المواليد، والملاحظ عمومًا أن قاسمًا اسم ثابت لا موسمي: لا يقفز مع الموضة ولا يختفي، ويحضر بكثافة أوضح في العراق وبلاد الشام وشمال أفريقيا، وفي الألقاب العائلية أكثر مما يُتوقع.
صيغ الكتابة الشائعة
- Qasim - الأقرب إلى الأصل، وهي الصيغة المعتمدة في أكثر النقل العلمي
- Qasem / Ghasem - شائعة في إيران وبين المتحدثين بالفارسية
- Kassem / Kacem - منتشرة في لبنان والمغرب العربي بتأثير الفرنسية
- Kasım - الصيغة التركية، وهي نفسها اسم شهر نوفمبر