كلمة لا تُعرَّف إلا بضدّها
على ظهر عبوة في السوق: «صالح للاستهلاك حتى». وفي المصحف: «وعملوا الصالحات». الكلمة واحدة، والمقابل واحد أيضًا: فاسد.
افتح المعاجم على مادة «صلح» وستجد أن التعريف يبدأ بالنفي لا بالإثبات. لسان العرب يقول إن الصلاح ضدّ الفساد، والإصلاح نقيض الإفساد، ويشرح الفعل بأن «صَلُح الشيء» أي زال عنه الفساد. المعجم الوسيط يعرّف الصالح بأنه المستقيم المؤدّي لواجباته، وعكسه فاسد. أي أن اللغة، حين تُسأل عن هذه الكلمة، لا تقول لك ما هي، بل تقول لك ما ليست هي.
وهذا فارق يستحق الوقوف عنده. أكثر الأسماء العربية تَعِد بزيادة على المألوف: كرمًا زائدًا، أو مجدًا، أو بأسًا. «صالح» لا يَعِد بزيادة. يَعِد بسلامة، وهي أقلّ إبهارًا وأصعب.
ما الذي أنجبه الجذر غير الاسم
الجذر ص-ل-ح من أكثر الجذور حضورًا في العربية الحديثة، وأكثر أبنائه اليوم لا علاقة له بالتقوى إطلاقًا. تقرأ في نشرة الأخبار «مفاوضات الصُّلح»، وفي وثيقة قانونية «صلاحيات الموقّع»، وفي بيان سياسي «الإصلاح الإداري»، وفي حساب وزاري «المصلحة العامة». كلها من هنا.
وفي المادة نفسها فرق صرفي دقيق يخلط الناس بينه وبين البلاغة. «صالح» اسم فاعل من فعل لازم، فهو يصف حال صاحبه في نفسه. «مُصلِح» اسم فاعل من فعل متعدٍّ، فهو يصف أثر صاحبه في غيره. الرجل قد يكون الأول دون الثاني، والفرق نحويّ قبل أن يكون أخلاقيًّا.
من المادة نفسها
- الصُّلْح: إنهاء الخصومة بالتراضي، ومنه عقد الصلح في الفقه والقانون
- المَصْلَحة: المنفعة، وجمعها المصالح، وعليها بُني مصطلح «المصلحة العامة»
- الإصلاح: نقيض الإفساد، وأصله في المعاجم إزالة العداوة بين اثنين
- الصلاحية: الأهلية والاختصاص، وهي أحدث أبناء الجذر استعمالًا
- صَلاحِ: يذكرها لسان العرب مبنيةً على الكسر اسمًا من أسماء مكة
نبيٌّ عربي، ومدينة استعارت اسمه
صالح واحد من الأنبياء الذين وردت أسماؤهم في القرآن، أُرسل إلى ثمود، وذُكر باسمه في نحو تسعة مواضع، بينما تتوزّع تفاصيل قصته على سور الأعراف وهود والحِجر والشعراء والنمل وغيرها. ولاسمه خصوصية بين الأنبياء: هو ليس منقولًا عن العبرية أو السريانية كإبراهيم وإسحاق ويوسف، بل كلمة عربية مفهومة لمن يسمعها دون شرح، شأنه في ذلك شأن هود وشعيب.
أما الموقع الذي يقصده الناس اليوم باسم «مدائن صالح»، فحكايته أعقد مما يُقال عنه.
الحِجر، في منطقة العُلا شمال غرب السعودية، أول موقع سعودي أُدرج على قائمة التراث العالمي سنة 2008. لكن ما يراه الزائر هناك ليس من زمن ثمود: الواجهات المنحوتة في الصخر، وعددها مئة وإحدى عشرة مقبرة، نبطيّة، تعود إلى ما بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول بعده، وهي امتداد جنوبي لحضارة البتراء. ربط الموقع بالنبي تقليدٌ متوارث، لا نتيجة حفريّة، والتمييز بين الأمرين ليس تشكيكًا في القصة القرآنية بل دقّة في نسبة الحجر إلى أصحابه.
صالحان لا يشبه أحدهما الآخر
صالح بن عبد القدوس، شاعر بصري من القرن الثاني الهجري، لم ينظم في الغزل ولا في المديح تقريبًا. شعره كله حكمة ووعظ وزهد وتذكير بالموت. ثم قُتل بتهمة الزندقة سنة 168 للهجرة، الموافقة لسنة 783 ميلادية، وصُلب في بغداد.
والمصادر لا تتفق على من قتله: بعضها ينسب ذلك إلى الخليفة المهدي، وبعضها إلى هارون الرشيد. والرواية التي تتكرر في كتب الأخبار أن الخليفة استمع إليه فأُعجب بعلمه وأمر بإطلاقه، فلما ولّى استوقفه ببيت من شعره هو: «والشيخُ لا يترك أخلاقَه / حتى يُوارى في ثرى رَمْسِه»، ثم احتجّ عليه ببيته نفسه وأمر بقتله.
رجلٌ اسمه «صالح» ينظم شعر الزهد ويُقتل زنديقًا. الاسم لا يضمن شيئًا، ولم يزعم يومًا أنه يضمن.
وفي الطرف الآخر من الزمن، صالح علماني (1949 - 2019)، مترجم فلسطيني وُلد في حمص وسافر إلى إسبانيا لدراسة الطب فانتهى إلى الأدب. نقل أكثر من مئة عمل عن الإسبانية، ومنها الترجمة التي قرأ بها العرب «مئة عام من العزلة» لغابرييل غارثيا ماركيث. توفي في إسبانيا في الثالث من ديسمبر 2019.
بالحروف اللاتينية، وفي سجلّات اليوم
المشكلة العملية الأولى هي الحاء. لا مقابل لها في الأبجدية اللاتينية، فتُكتب h، وهي نفسها التي تُكتب بها الهاء، فيقرأ غير العربي الاسم بهاء خفيفة أو يسقطها كلها.
والمشكلة الثانية أخطر لأنها تقع بين اسمين عربيين لا بين لغتين: Saleh قد تكون «صالح» وقد تكون «صلاح». في وثائق كثيرة يظهر الاسمان بالحروف ذاتها تقريبًا، ولا يفصل بينهما إلا نطق صاحبهما. من أراد تمييزًا أوضح في جواز سفر أو شهادة، فالكتابة Salih أقرب إلى الأنظمة المعيارية، وإن كانت Saleh هي الأشيع فعليًّا في المشرق ومصر.
الاسم أيضًا خرج من العربية وبقي: صالح شائع في تركيا والبوسنة وألبانيا بصيغة Salih، وفي إندونيسيا وماليزيا بصيغ منها Soleh، وينطق في هذه اللغات بصاد وحاء غير حلقيّتين، فيسمعه العربي قريبًا لا مطابقًا.
أما ترتيبه في قوائم الشيوع، فالأمانة تقتضي القول إن أي رقم يُنشر عنه تقديريّ. لا توجد في معظم الدول العربية سجلات موحّدة معلنة لأسماء المواليد تسمح بترتيب دقيق سنة بسنة. ما يمكن قوله بثقة أن الاسم لم ينقطع منذ قرون، وأن له مؤنّثًا مباشرًا مستعملًا هو «صالحة»، وأنه من الأسماء التي تنتقل بسهولة بين المذهبين والمنطقتين دون أن تحمل إشارة إلى أيّهما.