الجبل الذي حمل الاسم أولًا
جنوب شرق حائل تمتدّ سلسلة صخرية اسمها سلمى، ويقابلها من الشمال الغربي جبل أجأ، والاثنان معًا هما «جبلا طيّئ» في كتب الجغرافيا العربية. ينقل ياقوت الحموي في «معجم البلدان» رواية في سبب التسمية يسندها إلى هشام بن محمد الكلبي عن أبيه: أن سلمى بنت حام كانت من العماليق، وأن أجأ بن عبد الحيّ هرب بها وبحاضنتها إلى ذلك الموضع، فأدركهم إخوتها هناك ونكّلوا بهما، فوُضع كلٌّ منهما على جبل، وبقي اسماهما على الجبلين.
هذه أسطورة تفسيرية لا خبر تاريخي، ومثلها كثير في تعليل أسماء المواضع. لكنها تكشف شيئًا يغيب عن معظم ما يُكتب عن الاسم: «سلمى» كان علمًا على مكان وعلى امرأة في وقت واحد ومبكر جدًا. ولذلك حين يرد الاسم في بيت قديم، ليس من المؤكد دائمًا أن الشاعر يعني امرأة؛ قد يعني واديًا.
س ل م: جذرٌ لا يدور كله على الأمان
من هذا الجذر السلام والإسلام والتسليم والسلامة، وهو ما تكرره صفحات الأسماء. لكن فيه بابًا آخر: السَّلْم في المعاجم القديمة لدغُ الحيّة، والملدوغ يقال له مَسْلوم وسَليم. سُمّي كذلك تفاؤلًا بالسلامة، على عادة العرب في تسمية المكروه بضدّه، كما سمّوا الصحراء المهلكة مفازة. ومن الجذر نفسه السَّلَم، وهو شجر من العِضاه يُدبغ بورقه، والسَّلْم دلوٌ لها عروة واحدة.
فأين سَلْمى من هذا كله؟ أكثر ما تُشرح به أنها مؤنّث «أسلم»، أي السالمة من العيب والأذى، وهو تخريج صرفي وجيه. غير أن المعاجم القديمة نفسها كثيرًا ما تكتفي بعبارة واحدة: «وسَلْمى: اسم امرأة»، من غير أن تشتقّها من شيء. والفرق بين الموقفين ليس شكليًا: الأول اشتقاق يُطمئن القارئ، والثاني اعتراف صريح بأن الاسم قد يكون أقدم من أي تفسير يُقدَّم له. من الأمانة أن يُذكر الاثنان معًا.
زهير بن أبي سُلمى ليس شاهدًا هنا
يُستشهد كثيرًا على قِدَم الاسم بزهير بن أبي سُلمى صاحب إحدى المعلّقات، ويُقال إن الاسم ورد في الشعر الجاهلي رمزًا للجمال. والاستشهاد في غير موضعه: كنية أبيه ربيعة بن رياح مضبوطة بضم السين، «أبي سُلْمى»، ونصّ الرواة على أنه ليس في العرب سُلمى بضم السين غيره. فهذا ضبط نادر منفصل عن سَلْمى المفتوحة التي تُسمّى بها البنات، والخلط بينهما شائع في المواقع العربية.
سلمى بنت عمرو، وسلميات القرن العشرين
في القرن السادس الميلادي حملت الاسم سلمى بنت عمرو بن زيد من بني النجار من الخزرج في يثرب. تزوّجها هاشم بن عبد مناف وهو في طريق تجارته إلى الشام، على شرط أن تلد عند أهلها إن حملت. فوُلد ابنها في يثرب ونشأ فيها حتى أخذه عمّه المطّلب إلى مكة. ذلك الابن هو عبد المطلب، جدّ النبي محمد. أي أن الاسم يقع في نسب قريش قبل الإسلام بجيلين، وهو حضور أوثق بكثير من أي بيت شعر.
وفي القرن العشرين اسمان يستحقان الذكر. سلمى الحفار الكزبري (1922-2006)، ابنة رئيس وزراء سورية لطفي الحفار، كتبت دراسة من مجلدين عن مي زيادة ونالت جائزة الملك فيصل في اللغة العربية والأدب سنة 1995. وسلمى حايك، الممثلة المكسيكية المولودة سنة 1966 لأب لبناني الأصل، وهي عمليًا من علّم الجمهور غير العربي نطق الاسم.
Salma أم Selma؟ وهل هما اسم واحد
في الوثائق اللاتينية تُكتب Salma في الغالب الأعم، وهي أدقّ صوتيًا لأن السين مفتوحة. أما Selma فتشيع في تركيا والبلقان وبين المهاجرين إلى أوروبا، وكثير من الأسر تختارها لأنها تبدو مألوفة هناك.
والمفارقة أن Selma الأوروبية ليست هذا الاسم أصلًا. أدخلها الأدب الإنجليزي عبر «قصائد أوسيان» لجيمس ماكفرسون في القرن الثامن عشر، حيث Selma اسم قاعة فينغال لا اسم امرأة، ثم شاعت في السويد والدنمارك حتى حملتها سلمى لاغرلوف، أول امرأة تنال جائزة نوبل في الأدب سنة 1909. فالتقارب بين Salma وSelma تقارب في الصوت لا قرابة في الاشتقاق. عمليًا هذا في مصلحة الاسم: هو من الأسماء العربية القليلة التي لا تحتاج شرحًا خارج العالم العربي.
أما داخل العربية فيلتبس الاسم بأخواته من الجذر: سالمة وسليمة وسليم وسالم. وهي أسماء مستقلة، لا صيغ منه.
كيف يُكتب الاسم بالحروف اللاتينية
- Salma - الأشيع في العالم العربي وفي الوثائق الرسمية
- Selma - تركيا والبلقان وأوروبا، وتلتبس باسم أوروبي مختلف الأصل
- Salmah - يستعملها من يريد تمييز الألف المقصورة في آخر الاسم
- Selma / Salima / Salema - ثلاث تهجئات تُخلط كثيرًا في سجلات الهجرة وهي لأسماء متغايرة
الاسم اليوم: ما يمكن قياسه وما لا يمكن
الأرقام الوحيدة الموثوقة عن هذا الاسم تأتي من خارج العالم العربي. في فرنسا، حيث تنشر مصلحة الإحصاء أسماء المواليد سنويًا، بلغ Salma ذروته سنة 2003 بنحو 522 مولودة، وكان يقارب المرتبة الثلاثمئة سنة 2020، ويحمله نحو 9655 امرأة. الاتجاه العام في السنوات الأخيرة إلى انخفاض، وهو انخفاض طبيعي بعد موجة تسمية واسعة في التسعينيات ومطلع الألفية.
في مصر وبلاد الشام والمغرب الاسم حاضر بقوة، لكن لا سجلّ وطنيًا منشورًا لأسماء المواليد في معظم الدول العربية. كل «ترتيب» تجده على الشبكة لهذا الاسم أو غيره تقدير مبني على انطباع أو على عيّنة، لا إحصاء رسمي، ويحسن التعامل معه على هذا الأساس.
يبقى أن الاسم سهل من الناحية العملية: مقطعان، حروفه الثلاثة موجودة في كل لغة أوروبية تقريبًا، ولا يحتاج إلى تدريب أحد على نطقه.